هل يمكن أن تصنع كلماتنا ما يحدث لنا؟
هل يمكن أن تصنع كلماتنا ما يحدث لنا؟
التربوية و الصحفية : كوثر الحسناوي
كثيراً ما بحثت عن تأثير الكلمات في الإنسان، وعن تلك العبارات التي نطلقها أحياناً بعفوية، ثم تمر السنوات فنعود إليها وكأننا نبحث بين حروفها عن تفسير لما حدث بعد ذلك.
آخر ما استوقفني كان منشوراً لأحد الأصدقاء كتب فيه:
( الحزن يخيم علينا … سماء رحلت نجومها )
كان يتحدث بحزن عن دفعة جامعية اختارت لنفسها يوماً اسم «سماء رحلت نجومها»، وكأنها أرادت أن تجعل من الاسم رمزاً شعرياً لمرحلة ستنتهي، ولأصدقاء ستفرّقهم الحياة بعد التخرج.
لكن السنوات مضت، وبدأت النجوم ترحل بالفعل.
بالأمس حسين وعلاء، واليوم عقيل… أسماء كانت يوماً تجتمع في قاعة واحدة، وربما ضحكت معاً والتقطت صور التخرج، قبل أن يرحل أصحابها واحداً تلو الآخر في حوادث مؤلمة.
وهنا توقفت طويلاً أمام السؤال:
هل كانت مجرد مصادفة مؤلمة؟
أم أن للكلمات أثراً في حياتنا أكثر مما نتصور؟
لا أعتقد أن الكلمات تستطيع أن تصنع الموت أو تغيّر القدر، فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾
لقمان: 34
ويقول سبحانه:
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
الأعراف: 34
فالموت ليس كلمة ننطق بها فتأتي، ولا اسماً نختاره فيتحول إلى قدر. الأعمار والآجال من علم الله، والإنسان لا يملك من الغيب شيئاً.
لكن هذا لا يعني أن الكلمات بلا أثر.
الكلمة قد لا تغيّر القدر، لكنها بالتأكيد تستطيع أن تغيّر الإنسان.
قد تمنح شخصاً أملاً فينهض، وقد تزرع فيه خوفاً فيتراجع، وقد تبقى كلمة واحدة في ذاكرة إنسان سنوات طويلة.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾
إبراهيم: 24
يا لها من صورة عميقة...
فالكلمة الطيبة في القرآن ليست مجرد صوت ينتهي بمجرد أن ننطق به، بل هي كالشجرة؛ قد يكون أثرها ممتداً ومتجذراً في قلب إنسان لا نعرف كم سيبقى يحمل أثرها.
وفي المقابل يقول سبحانه:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
وكأن في هذه الآية دعوة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه:
اختروا كلماتكم، لأنكم لا تعرفون أين ستستقر .
وعن أمير البلغاء الإمام علي عليه السلام، فقد قال:
«لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه»
وكأن الحكمة هنا تدعونا إلى أن نمنح الكلمة لحظة قبل أن نطلقها.
نعم، ربما لا تصنع كلماتنا أحداث الغد، لكنها تصنع شيئاً مهماً جداً ، الطريقة التي نعيش بها اليوم .
علم النفس أيضاً يتحدث عن أثر التوقعات في الإنسان. فالإنسان الذي يكرر لنفسه الفشل قد يبدأ، من دون أن يشعر، بالتصرف بطريقة تقلل من ثقته ومحاولاته. ومن يعيش وسط كلمات التشجيع والدعم قد يجد في نفسه قدرة أكبر على الاستمرار.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين القول إن الكلمات تؤثر في نفسية الإنسان وسلوكه، وبين الاعتقاد بأنها تملك قوة خفية تستدعي الموت أو تجلب المصائب.
فليس من العدل، ولا من الإيمان، أن نحمّل أصحاب تلك الدفعة مسؤولية ما حدث لمجرد أنهم اختاروا اسماً حزيناً.
ربما كانت العبارة مجرد مصادفة، وربما الذي جعلها تبدو لنا اليوم أكثر قسوة هو أننا نقرأها بعد الفقد.
نحن البشر، حين نتألم، نبحث عن معنى.
نعود إلى الكلمات القديمة، إلى الصور، إلى المواقف، ونحاول أن نجد رابطاً بين ما كان وما حدث.
لكن الحقيقة تبقى كما يقول الله تعالى:
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾
ليس لأن الإنسان عاجز، بل لأن هناك أموراً أكبر من قدرتنا على الفهم والسيطرة.
ومن أجمل ما يمكن أن نتعلمه من مدرسة أهل البيت عليهم السلام هو أن الإنسان مسؤول عن لسانه وأخلاقه، لكنه في الوقت نفسه مؤمن بأن الأمور تجري بعلم الله وتقديره.
وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام:
«ربَّ كلمةٍ سلبت نعمة»
وهنا أيضاً لا يعني الأمر أن كل كلمة سلبية تستدعي المصيبة، بل إن الإنسان قد يخسر بكلمة علاقة، أو يجرح بها قلباً، أو يصنع بها عداءً، أو يفتح بها باباً من الألم.
لهذا ربما تكون الرسالة الأجمل التي خرجت بها من قصة «سماء رحلت نجومها» هي:
لا نخاف من الكلمات… لكن نحترمها.
لا نعتقد أنها تتحكم بالغيب، لكننا ندرك أنها تستطيع أن تؤثر في القلوب.
نختار كلماتنا بحب، ونكتب ما نحب أن يبقى أثراً لنا في ذاكرة الآخرين.
فربما لا نستطيع أن نمنع الرحيل، ولا نعرف متى يأتي، لكننا نستطيع أن نجعل كلماتنا أكثر رحمة، وأكثر أملاً، وأكثر حياة.
أما الذين رحلوا من تلك السماء، فلعلهم لم يكونوا نجوماً اختفت…
بل نجوماً غابت عن أعين أصدقائها، وبقي نور ذكراها في قلوب من أحبوها.
رحم الله الراحلين جميعاً، وألهم أهلهم وأصدقاءهم الصبر والسكينة.